ابن عجيبة
449
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن سائر المؤمنين قصّروا على أربع نسوة ، وأبيح له - عليه الصلاة والسلام - أكثر من ذلك . ومذهب مالك : أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد ، خلافا لأبى حنيفة . ه . قلت : إن قرنه ذكر الصداق جاز ، كما في المختصر . و ( خالصة ) : مصدر مؤكد ، أي : خلص إحلالها ، أو : إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلوصا لك . أو : حال من الضمير في ( وهبت ) ، أو : صفة لمصدر محذوف ، أي : هبة خالصة لك . قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ أي : ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم ، أو : ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق ، كالنفقة وحسن المعاشرة ، أو : ما فرضنا عليهم من الاقتصار على الأربع ، أو : ما أوجبنا عليهم من الإشهاد والولي ، وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ بالشراء وغيره من وجوه الملك ، فقد علمنا ما فرضنا عليهم من الإنفاق والرفق ، وألا يكلفوهن ما لا طاقة لهن به ، مع حليّة الوطء ، ولو تعددن . وإنما وسّعنا عليك في أمر النساء لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ؛ ضيق ، وهو راجع لقوله : خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . والجملة من قوله : قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا . . إلخ : اعتراضية ؛ للدلالة على أن الفرق بينه وبين المؤمنين في نحو ذلك ليس لمجرد التوسيع عليه ، بل لمعان تقتضى التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة ، والعكس أخرى ، كنكاح الكتابية والأمة ، فتحرمان عليه صلى اللّه عليه وسلم دون أمته . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً بالتوسعة على عباده ، أو : غفورا لما يعسر التجرد عنه ، رحيما بالتوسعة في مظان الحرج . الإشارة : قد وسّع اللّه على خواصه في باب النكاح ، وأمدهم في ذلك بالقوة ، وأعطاهم من الباءة ما لم يعط غيرهم ، تشريفا وترغيبا في هذا الأمر ، لإبقاء النسل الطيب ، ولما فيه من التوسعة في المعرفة ، وحسن الخلق ، وتعلم السياسة ، فدلّ ذلك أن كثرة النساء لا ينافي الزهد ، ولا يقدح في كمال المعرفة ، بل يزيد فيها . قال الإمام ابن منصور المقدسي ، في شرح منازل السائرين - في باب الزهد - : ومتعلق الزهد ستة أشياء ، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها ، وهي : المال ، والرئاسة ، والناس ، والنفس ، وكل ما دون اللّه . وليس المراد رفضها عن الملك ، فقد كان داود وسليمان - عليهما السلام - من أزهد أهل زمانهما ، ولهما من الملك والنساء والملك ما لهما . وكان نبينا صلى اللّه عليه وسلم أزهد البشر على الإطلاق ، وله تسع نسوة ، وكان علىّ بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وعثمان - رضوان اللّه عليهم - من الزهاد ، مع مالهم من الأموال - أي : والنساء - فكان لعلىّ رضي اللّه عنه أربع حرائر ، وسبعة عشر سرية ، ولعبد الرحمن بن عوف والزبير أربع أربع ، ولعثمان كذلك . وتزوج المغيرة بن شعبة تسعا وتسعين امرأة . ثم قال : وكان الحسن بن علىّ - رضى اللّه عنهما - من الزهاد ، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحهن . ثم قال : ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن وغيره ، قال : ليس الزهد في الدنيا